أبو زيد: أبو الحسن الأشعري رجل الحلول الوسطى

لعل عامة أهل السنة، بل أغلب مثقفيهم، لا يعرفون الشيء الكثير عن مذهب “الأشعرية”، مع أن أغلبية أهل السنة -الذين يمثلون بدورهم أغلبية المسلمين- يدين بهذا المذهب! بل هناك دول عربية جعلت منه اختيارا رسميا من ثوابتها دون جهد لفهمه وتفهيمه للعامة.. والأنكى أن هناك من يدعي “ضلال” المذهب الأشعري، وأن أتباعه خارج دائرة أهل السنة والجماعة!

وإذا كان الوضع على هذا النحو من اللبس والغموض، فثمة بعض الأسئلة نطرحها على الدكتور أحمد أبو زيد، أستاذ مادة التفسير بجامعة محمد الخامس ودار الحديث الحسنية بالمغرب؛ لكشف الحجاب عن جوهر وحقيقة المذهب الأشعري، من حيث أعلامه ومعالمه، وأهم القضايا التصورية التي رزقت له القبول لدى شريحة كبيرة من أهل السنة والجماعة.

وفي الحوار الشامل حول الموضوع، يرى أبو زيد أن الإشكالات العقدية التي يثيرها المذهب الأشعري، تدخل في خانة “الخلاف العالي”، الذي يفرض على العلماء بحثها بعلم ودقة لتحصين الأمة من السقوط في الخرافة والتنصير وشرك الإلحاد، مقدما أعلام المذهب قديما وحديثا، وأهم الانتقادات الموجهة إليه من خصومه.

وإلى نص الحوار:

* د.أبو زيد.. بداية هناك نغمة تدور على ألسنة بعض من يوصفون بالسلفية الآن، حينما يغمزون الآخرين في عقائدهم داخل سياق أهل السنة والجماعة فيقولون: أنت أشعري، فيشتاط الأخير غضبا وينافح عن نفسه كأنها تهمة.. فلو طلبنا في البداية أن توضح لنا ماهية الأشعرية وعلى من يطلق مسمى الأشاعرة؟

– هذا فعلا من العجائب.. وسر العجب هو أن الأشاعرة في الأصل هم جمهور أهل السنة والجماعة، فتتعجب حينما يرميك من ينتسب لأهل السنة بأنك أشعري، وهو لا يعي أن الأشاعرة كما قلنا هم جمهور أهل السنة والجماعة.

وربما يكون من قلة الإنصاف القول إنهم فرقة تماثل الفرق الإسلامية المعروفة، فإذا قلنا فرقة المعتزلة فهي فرقة معروفة، ولكنها فرقة على هامش التيار العام، الذي هو تيار أهل السنة والجماعة، وكذلك بالنسبة للخوارج.

أما إذا قلنا الأشاعرة: فهم الذين مثلوا ويمثلون فيما بعد القرن الثالث الهجري -ابتداء من القرن الرابع والخامس الهجري- إلى اليوم جمهور أهل السنة والجماعة، وهم ينتسبون إلى الإمام أبي الحسن الأشعري، وهو من سلالة أبي موسى الأشعري، الصحابي المشهور، الذي كان في جماعة التحكيم بين سيدنا علي ومعاوية في وقت الفتنة الكبرى.

وأبو حسن الأشعري عالم كبير، تعمق في علم العقيدة، وله عدد كبير من الكتب في موضوعها، وإن كانت له أيضا كتب في التفسير.

وتذكر المصادر العلمية ما يناهز ثلاثمائة كتاب، وكلها في الرد على أصناف الفرق الضالة، بما فيها المعتزلة والمرجئة والخوارج والرافضة من الشيعة الغلاة، كما رد على النصارى وفرقهم وعلى اليهود والمجوس.

والرجل وهبه الله تعالى عبقرية خاصة؛ فجاء بالحلول السنية لكثير من المشكلات العويصة، التي أثارتها الفرق الأخرى، وكانت سببا في تمزيق المسلمين إلى طوائف وملل ونحل.

وفي نهاية القرن الثالث الهجري كان التمزيق الفكري قد استفحل استفحالا عظيما، حتى خشي الناس على وحدة المسلمين، فاهتدى هذا العالم العبقري إلى الحلول الوسطى، التي تجمع وتقرب وتسدد بين هذه الفرق، ولم يكن إلى جانبه سلطان يؤيده، ولا طائفة تنصره، ولم يكن رجلا يحتال على الناس ليؤيدوه، لكنه نصر مذهب أهل السنة فنصره الله عز وجل، وتقبل مذهبه في العقيدة المالكية والشافعية وطائفة من الأحناف على المذهب الماتريدي أيضا، حتى وقع تنازع في نسبته العلمية: هل هو شافعي أو مالكي؛ نظرا لكونه شافعيا في الأصل.

والمذهب الأشعري والماتريدي لا يختلفان إلا في أمور قليلة جدا، ولذلك نقول إن هذه الطائفة من الأحناف أيضا من المذهب الأشعري، كما تبعه الفقهاء، وكبار المحدثين وعلماء الأمة المحققون من الأصوليين.

وكما وهب الله القبول للإمام البخاري في رواية الحديث، وتقبلت الأمة كلها -عدا الشيعة- كتابه، واعتبروه أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى، فهذا الرجل وهبه الله القبول في أمر العقيدة، وبمذهبه انتهت الفرق الهامشية من معتزلة وخوارج والمرجئة والقدرية والجهمية، وتجمع الناس على المذهب الأشعري، وأعاد للأمة لحمتها باعتداله وتوسطه، إلى أن جاءنا العصر الحديث، فظهر من المسلمين من يطعن في هذا الإمام، وبعدما كان الناس وكبار العلماء يعتزون بالانتماء إلى مذهبه، صرنا نسمع في هذا العصر من يطعن فيه ويدعي أنه ليس من أهل السنة.

أما من حيث نشأة المذهب، فتاريخيا نجد أن المذهب الأشعري نشأ بعد استفحال الاختلاف وتمزق الأمة، فاجتمعت الأمة على مذهبه ومعه رجال عقيدة آخرون مثل الإمام الطحاوي، والإمام الماتريدي، وإذا قلنا الأشعري والأشاعرة فهو مسمى يرادف في الحقيقة جمهور أهل السنة والجماعة.

سياقات فكرية

* ندرك جميعا أن لكل تيار فكري أو مذهب من المذاهب سياقات نما فيها وقامت هي بتغذيته إيجابا أو سلبا.. فما طبيعة تلك السياقات التي أسهمت في نشأة المذهب الأشعري؟

– نعم.. هذا صحيح.. والمذهب الأشعري عمل السياق التاريخي عمله في تغذيته والخروج به على هذا النحو.. ففي عهد أئمة الفقه الأربعة: مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد بن حنبل، لم تكن هناك مشكلات كبيرة جدا، ولم يكن تشبيه وتجسيم، ولكن لما استفحلت المشكلات العقدية كان الاشتغال بعلم العقيدة أهم سلاح للرد عليها.

وكان أئمة أهل السنة الكبار ينظرون إلى هذه المشكلات ويستقبلون أسئلة الناس حولها، مثل ما طرح على الإمام مالك رحمه الله حول صفات الله عز وجل ومسألة الاستواء على العرش وأسئلة في القدر، وله رسالة في القدر، وتلقى أسئلة في الإيمان أيضا.

وكلها أسئلة كانت تعبر عن انشغالات الناس وحيرتهم مع ما تثيره الفرق، فكانوا يبحثون في مراجعهم، التي هي محل ثقتهم المعرفية، ويتوجهون للأئمة الكبار بالأسئلة حولها، فكان هؤلاء الأئمة يجيبون عنها بما يناسب وقتهم وعصرهم محاولين سد باب إثارة هذه المشكلات.

وكانت المذاهب في تصارع مع أوج المد الاعتزالي وقوته، وكان التيار الأعظم من المسلمين من أهل السنة يتجنبون الخوض فيها، وهذا التجنب للأسف الشديد فسح المجال للفرق الأخرى لتنشر آراءهم، إلى أن وصل الأمر لدرجة التضييق على العلماء، خاصة في مسألة خلق القرآن، وهي مسألة تتعلق بالصفات، وما جرته من محن وسفك الدماء، وخاصة دماء العلماء الكبار بعد أن تم تعذيبهم.

وفي هذه الأجواء المشحونة فكريا ومعرفيا، كان أهل السنة يتلمسون الطريق لإيجاد حلول لهذه المشكلات تعبر عن رأي أهل السنة، فظهر من بين أهل الحديث فرقة، وللأسف الشديد لم يتسن لها الانتشار، وحاولت البحث عن حل لهذه المشكلات، وتسمى في تاريخ أهل السنة: “الفرقة الكلابية” نسبة لأحد علمائها، وكان من بين روادها أحد كبار المتصوفة في ذلك الوقت وهو “الحارث بن أسد المحاسبي”، وحاولت هذه الفرقة أن تجد حلولا، لكن ووجهت بالمضايقة من جانبين: الحنابلة من جهة، بزعامة الإمام أحمد رحمه الله، وأيضا من خصوم أهل السنة.

وتهيأت الظروف بعد محنة خلق القرآن، وهيأ الله الأسباب لظهور الإمام الأشعري بما يعبر عن مذهب أهل السنة؛ لمعرفته العميقة بعلم العقائد، حيث نشأ على يدهم وتربى في كنفهم، فضلا عن تكوينه العلمي الدقيق في العلوم الشرعية، خاصة تفسير القرآن، واستطاع تلمس الحلول لقضايا ومشاكل عويصة؛ مما قرب بين المسلمين وجمع رأيهم في مسائل شتتت فكرهم دهرا طويلا.

* تحدثت عن استثناء المذهب الحنبلي من تقبل المذهب الأشعري، ترى ما السبب؟

– في المذهب الحنبلي هناك جماعة يسميها الحنابلة أنفسهم بـ”متأولة الحنابلة”، منهم ابن الجوزي وابن عقيل، فهؤلاء مالوا للعقيدة الأشعرية ومنهج الأشاعرة، فكان نصيبهم من فرقتهم أنهم انتقدوهم، وسموه بهذا الاسم، بينما علماء المسلمين يسمونهم: “محققو الحنابلة”.

والحنابلة ليسوا على رأي واحد في الموقف من المذهب الأشعري؛ فمنهم من تعصب للمنهج التقليدي النقلي، الذي يبعد العقل نهائيا، ويرفض المنهج العقلي في أمور العقيدة، وهؤلاء يعادون الأشاعرة، ويعتبرون الثقافة والعلم ما كان نقليا، ويسمون أحيانا بـ”المحدثين”، أي أصحاب ثقافة الرواية والنقل، أما ما فيه اجتهاد عقلي وعلمي فهم يرفضونه، خاصة في مسائل العقيدة.

وجاءت بعدهم فرقة فاقت هذه الطائفة من الحنابلة في التعصب والتشدد والعنف والطعن، وهي التي نعاني منها في العصر الحالي.

* في رأيكم، ما القوة التصورية التي جعلت القبول للمذهب الأشعري؟

– القوة التصورية للمذهب أو العقيدة الأشعرية تقوم على النظر العلمي العقلي، في إثبات أصول العقيدة، وكما هو معلوم ففهم العقيدة الصحيحة يكون بطريقين:

اعتماد القرآن الكريم؛ فمن أراد معرفة الله تعالى بصفاته فليعرفه من القرآن الكريم، وكذلك معرفة صفات النبي صلى الله عليه وسلم والقضاء والقدر.

لكن هذه الطريق خاصة بمن يؤمن بالقرآن العظيم، ويسلم بأن القرآن كتاب الله تعالى، لكنها لا تنفع في الدعوة إلى الله والرد على الفرق الضالة وأهل الشبهات؛ لأن هؤلاء لا يؤمنون بالقرآن، فكيف يناقشهم المسلم به؟!

ولذلك وضع العلماء طريقا أخرى لإثبات هذه الأصول العقدية، من وحدانية الله والصفات والرسل والقضاء والقدر بطريقة عقلية، قائمة على الدليل العقلي، الذي يثبت بذاته ولا يحتاج إلى دليل آخر، فاعتمدوا على الأدلة العقلية والمعرفة القاطعة الجازمة إلى جانب القرآن، ولم يتخلوا عن طريقته، ما داموا في وسط يملؤه الخلاف والخصومات والطعن في الإسلام.

وبذلك استطاع المذهب الأشعري أن يقنع الفقهاء والمحدثين والأصوليين، فضلا عن أن من جاء بالمذهب كان عبقريا، فكانت في عصره وقبله مشكلات عويصة في العقيدة، وكانت الحاجة ماسة لمن يعطي رأي أهل السنة في هذه المشكلات إلى أواخر القرن الثالث الهجري، حتى فتح الله على هذا الإمام، فأوجد الحلول لهذه المشكلات مثل مشكلة الرؤية وكلام الله والصفات، التي ينفيها المعتزلة، فكان أهل السنة يكتفون بالقول: هذه بدعة أو ضلال، ولم يعطوا دليلا مقنعا يكون أساسا لمذهب أهل السنة، حتى جاء الأشعري بمذهب ينطق باسم أهل السنة، ويعطي حلولا للمشاكل العقدية وفق تصورهم العقدي.

* حتى تكتمل منظومة التعريف بهذا المذهب، من المعلوم أن كل تيار فكري يعرف برجاله، فمن هم أبرز علماء المذهب الأشعري وأعلامه؟

– أعلام المذهب الأشعري هم أعلام الأمة الإسلامية على مدى قرون، سواء في الفقه والحديث أو التفسير، وتحديدا بعد القرن الرابع الهجري صار كبار الفقهاء من أعلام المذهب؛ حيث نجد من الأصوليين: الإمام الجويني، والباقلاني، والآمدي، والفخر الرازي، والغزالي، ثم بعدهم ابن العربي من المغرب، والعز بن عبد السلام، وابن دقيق العيد.

وفي الحديث نجد الإمام النووي، والبيهقي، وابن حجر العسقلاني.. ونجد من المفسرين: الإمام الأشعري نفسه وله تفسير كبير سماه “المختزل”، والإمام الرازي أيضا (مفاتيح الغيب)، وابن عطية الأندلسي.. فالمفسرون والفقهاء والمحدثون من المالكية وكبار الأصوليين كلهم من الأشاعرة مع استثناءات طبعا.

* هذا على مستوى أعلام المذهب الأشعري في السابق، وماذا عن أعلام المذهب في الوقت الحاضر وأهمية المؤلفات الخاصة بالمذهب؟

– في الوقت الحاصر نجد من أعلام المذهب من تركيا الأستاذ مصطفى صبري، وهذا من أشهر من ناصر المذهب وهو مرجع في بابه، وقد كتب كتابا بعنوان: “الإنسان.. الوحي والعقل”، ويأتي بعده فيمن قرأت لهم الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، وكتبه نظرت في العقيدة الأشعرية بطريقة جديدة.

لكن الجبل الشامخ، الذي ناصر العقيدة الأشعرية في هذا العصر، والله أعلم، هو الشيخ الطاهر بن عاشور في تفسيره “التحرير والتنوير”، وقد كتب أيضا رسالة في مسألة القدر سماها”رسالة القدر والنهضة الحديثة”، ومن المغاربة نجد الفقيه “العربي اللوه”، الذي توفي قريبا رحمه الله، وله كتاب جيد في العقيدة الأشعرية بعنوان: “الرائد في علم العقائد”، وهناك من العلماء المغاربة من يزالون يدرسون المذهب الأشعري والكتب الأشعرية في الجنوب المغربي، ولم يسمعوا بابن تيمية أو ابن القيم وكتبهم، وأغلب المؤلفات في المذهب الأشعري ركزت الحديث عن تاريخ المذهب الأشعري، ولم تكن في قضايا وأصول المذهب وعلم العقيدة.

تطور المذهب

* من المؤكد أن المذهب الأشعريلم يبق على صورته الأولى، بل عمل الأتباع على تطويره، فهل ترون تطورا بالفعل طرأ على المذهب؟ وإذا وجد فكيف تفسرون هذا التطور؟

– روح المذهب بقي أصيلا، وهو التوسط والاعتدال في تناول المشكلات العقدية العويصة، وحصل هذا التوسط أيضا بين العقل والنقل؛ لأن المعتزلة غالوا في تحكيم العقل والاعتماد عليه، ومن كان يخالفهم في عصرهم من أهل السنة من الحنابلة غالوا بدورهم في النقل، لكن الإمام الأشعري رحمه الله جمع بين العقل والنقل، فكان التوسط أيضا في التأويل والأخذ بالظاهر أيضا، فأول بقدر، وأخذ بالظاهر بقدر.

وهذه الروح التوسطية بقيت مستمرة، لكن كل مذهب لا يخلو من نقاط ضعف، خاصة المذهب الذي يسعى إلى التوفيق؛ إذ يحمله هذا الهدف الكبير إلى أن يغض الطرف عن بعض الأمور خدمة لهذا الهدف الأكبر.

ومن هنا كان طبيعيا أن تنشأ بعض المآخذ على المذهب من كبار العلماء ومن الأشاعرة أنفسهم، بغض النظر عن الخصوم الذين يطعنون بغير علم.

فالإمام الطاهر بن عاشور يعد من محققي الأشاعرة، وفي تفسيره تحقيق دقيق لمذهب الإمام الأشعري، ومن يعرف قدر الرجل ومكانته العلمية ورسوخه في العلم يجد في تفسيره “التحرير والتنوير” ورسالته في القدر تحقيقات في العقيدة الأشعرية بعقلية العالم المحرر، ويجد كذلك استدراكات مهمة ومفيدة.

ومن وقع له شيء من التردد في تقدير هذه العقيدة وتقبلها، وقرأ هذا الكتاب فإن هذا التردد سيزول، وهو مرجع من أهم مراجع الأشاعرة؛ لأنه فسرها وأضاف لها الكثير بعلمه.

ولذا فالتطور في المذهب موجود، ولكنه لم يخرج عن روح المذهب، وكل عالم يضيف بحسب علمه، فالباقلاني كمؤسس حقيقي للمذهب جاء بعده الإمام الجويني يخالفه في بعض المسائل، وجاء بعد الجويني الإمام الغزالي بإضافات يخالف فيها أستاذه الجويني.

تطوير سلبي

* لكن هناك من يقول بأن بعض المتأخرين من الأشاعرة كالآمدي مثلا مالوا إلى الفلسفة وعادوا بالمذهب إلى روح الاعتزال.. وهذا من التطوير السلبي بحسبهم.. فكيف ترون الأمر؟

– هذا كلام غير مقبول، بل لدى المتأخرين نظر عقلي صحيح وتحكيم للأدلة العقلية الصحيحة، وقد تلتقي هذه الأدلة مع الحكمة، لكن القول بالتأثر بالفلسفة فيه ظلم وحيف كبير للمذهب؛ لأن الباحث في تاريخ الفكر الإسلامي سيجد أن الأشاعرة هم من ردوا على الفلاسفة وبينوا تهافتهم مثل الغزالي!

ولذا لا يجب أن نقول عنهم إنهم تأثروا بها؛ فالذي يتأثر هو الذي يقلد، ولكن المفكرين الأشاعرة ردوا الفلسفة التي تخالف العقيدة الإسلامية، بل منهم من رفع مباحث العقيدة إلى مستويات عقلية عالية جدا، ومستويات لا يخوض فيها إلا العلماء وليس عامة الناس، مثل الكلام عن ذات الله تعالى ووجوده وكيف نتصوره.

وهم بهذه النظرة العالية يواجهون النصارى من جهة بتصورهم الخاطئ لوجود الله ومسألة التثليث، ويواجهون تصور الفلاسفة الذين يقولون بأن وجود الله حقيقة مجردة.

أما التصوف فرغم وقوع أتباعه في بعض الأخطاء، إلا أن ضلال النصارى البين لا يساويه بعض شطحات الصوفية وأحوالهم، وهي خاصة بهم وليس لها صلة بعقيدة المسلمين.

وعليه فتطور المذهب أمر طبيعي، والطعن في المذهب بتأثره بالفلسفة فيه تحامل كبير، فالذي رد على المعتزلة والفلاسفة وبين أخطاءهم، خاصة في مسألة التوحيد، هم الأشاعرة.

وهنا أؤكد على ضرورة الجمع بين أمرين: الأول أن المذهب عرف تطورا وهو طبيعي في جميع العلوم، فالتلميذ يناقش شيخه، وكذلك التلميذ الذي يصبح شيخا.

والثاني: لابد من التفريق بأن العقيدة شيء وعلم العقيدة شيء، فكل الفرق الإسلامية تؤمن بأصول الدين مثل وحدانية الله عز وجل والإيمان بالرسل والكتب والبعث والقضاء والقدر، ولكن الخلافات الموجودة موجودة في الفروع.

فعلم العقيدة ينبغي أن يدرك أنه ليس علما للمؤمن، إلا باعتبار يصحح له النظر للقضايا الشائكة في العقيدة، بل هو موضوع للرد على الشبهات، وهو الذي يطور، أما العقيدة فهي ثابتة؛ لأنها نزلت من عند الله عز وجل.

Read more: http://mdarik.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&cid=1235340187598&pagename=Zone-Arabic-MDarik%2FMDALayout#ixzz0hZIZalHW

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: