الباب الرابع : المعجزة والوحي وعصمة الأنبياء

الفصل الأول :المعجزة

المعجزة أمر خارق للعادة يظهرها الله على أيدي الأنبياء كسلاح لمواجهة أمتهم بالدعوة الإسلامية ، والإمام سعد الدين التفتازاني رحمه الله يعرف المعجزة بأنه أمر يظهر بخلاف العادة على يد مدعي النبوة عند تحدي المنكرين على وجه يعجز المنكرين عن الإتيان بمثله[1]، عادة تظهر المعجزات على أيدي الأنبياء في أمور تتفوق فيها أمتهم ، وكان من بين معجزة موسى  عليه السلام  تحويل العصا ثعبانا حيث إن قومه كانوا متفوقين في مجال السحر ومعجزة عيسى  عليه السلام  كانت ابراء الأكمه والأبرص واحياء الموتى حيث ان قومه كانوا مهرة في علم الطب والعلاج ، وفي القرآن عشرات من الآيات عن معجزات الأنبياء وإليكم بعضا منها : ﴿وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِىءُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾[1]  و ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَونُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا﴾[1]

وهذه الآيات تبين أن الله كرم الأنبياء بالمعجزات لكي يصدقهم الناس فيما جاؤا به من الآيات البينة ولأن يميزوا بين الحق والباطل وبين الطيب والخبيث ، وتاريخ الحياة النبوية حافلة بانواع من المعجزات.

ومن الطبيعي أن يواجه الرجل الغريب إنكارا من الجماهير حينما يخاطبهم بنظرية جديدة لم تسبق تجربتها في حياتهم خصوصا حينما يكون أميا لا يعرف القراءة والكتابة وليس معه كتاب ولا آيات تدل على صدقه ولم يجربه الناس في طفولته وكهولته وشبابه عن صدقه. واما اذا كانت مواجهة الناس مؤيدة بآيات بينات وبمعجزات باهرة يمكن لأولي الألباب والعقول أن يدركوا فيه الصدق والأمانة ، وكان القرآن أعظم معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم  وهذا القرآن محفوظ إلى يوم القيامة حسبما وعده الله تعالى بقوله ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾[1] والحكمة في حفظ القرآن بالخلود ترجع إلى اعتبار ضرورة تصديق الناس بنبوته بعد وفاته ، لأنه لا نبي بعده ، فالله الحكيم قد كرم نبيه بوعده بحفظ القرآن نعمة على أمته .

الفصل الثانى : الوحي

الوحي في اللغة يكون بمعنى الإلهام مثل قوله تعالى ﴿ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ ، ويكون بمعنى الأمر مثل قوله تعالى ﴿ وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي﴾ وقوله تعالى﴿ يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا ، بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ ويكون بمعنى الوسوسة كما في قوله تعالى﴿ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ ويكون بمعنى التكوين والتدبير كما في قوله تعالى ﴿ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا ﴾ ويكون بمعنى الإشارة مثل قوله تعالى ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾

الوحي في الشرع : إخبار الله أنبياءه بما يشاء . يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني  رحمه الله  في فتح الباري “الوحي شرعا الإعلام بالشرع وقد يطلق الوحي ويراد به اسم المفعول منه أي الموحى وهو كلام الله المنزل على النبي صلى الله عليه وسلم” .

طرق الوحي

وله طرق يشير إليها القرآن الكريم ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾

الطريقة الأولى : الإلهام وهو النفث في الروع أى القلب يقظة أو مناما قال  صلى الله عليه وسلم “إن روح القدس نفث في روعى : ان نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها واجلها فاتقوا الله واجملوا في الطلب خذوا ما حل ودعوا ما حرم”.

وكذلك الرؤيا الصادقة كرؤيا الخليل إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ﴿ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى ﴾

الطريقة الثانية :المكالمة من وراء الحجاب كما كلّم الله موسى  عليه السلام وكما فرض الله الصلاة على سيدنا محمد وأمته ليلة المعراج صلوات الله وسلامه عليه  مع رؤيته لله هذه الليلة كما بينه الإمام النووي في شرح مسلم .

الطريقة الثالث: أن يرسل رسولا هو جبريل عليه السلام فيوحي باذنه ما يشاء. وفي البخاري : عن عائشة  رضي الله عنها أن الحارث بن هشام سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوحي فقال احيانا يأتينى مثل صلصة الجرس  وهو اشده علي  فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال واحيانا يتمثل لى الملك رجلا فيكلفني فاعي ما يقول .

الفصل الثالث : الدروس التي دعا إليها الأنبياء

والدروس التى دعا إليها الأنبياء يمكن لنا أن نلخص بأنها كانت دعوة إلى الله عز وجل ، وقاموا بهذا الدرس حسبما تقتضي  الظروف والأحوال . والموضوع الرئيسي الذي قام به الأنبياء بأسرهم هو التوحيد في العقيدة الألوهية ، يقول الله تعالى في حق نوح عليه السلام ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ ، وحكي القرآن نفس هذه الدعوة عن هود وصالح وشعيب وابراهيم عليهم السلام ويحكى القرآن عن المسيح عليه السلام ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ .

والقرآن يشير إلى أن هذه الدعوة كانت عامة إلى سائر الأنبياء في سورة النحل ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾

والأنبياء متفقون في دعوتهم إلى التوحيد وإن كانوا مختلفين في الشرائع والأعمال طبقا للظروف المختلفة التي سادت في أمتهم ، ويشير القرآن أيضا إلى هذا الاختلاف ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم ﴾

وهذا الاختلاف السائد بينهم كان محدودا في الفروع فحسب. وفي الحقيقة كانوا متحدين. يقول الإمام الرازي : (المسالة الثالثة) وردت آيات دالة على عدم التباين في طريقة الأنبياء والرسل وآيات دالة على حصول التباين فيها ، وطريق الجمع أن نقول النوع الأول من الآيات مصروف إلى ما يتعلق بأصول الدين والنوع الثانى مصروف إلى ما يتعلق بفروع الدين .

والخلاصة أن الأنبياء بأسرهم من لدن آدم عليه السلام  حتى نبينا محمد  صلى الله عليه وسلم  أرسلهم الله تبارك وتعالى لدعوة الناس إلى دين الإسلام وهدايتهم إلى سبيل الرشاد .

الفصل الرابع : متى تتحقق البعثة

ويمكن لنا أن نفهم من المصادر الإسلامية والكتب المعتمدة أن البواعث الأربعة هي التى تحدد ضرورة قدوم الأنبياء في الأرض أولا:  أن يكون هناك انقطاع زمني بين النبيين بحيث لا يتمكن وصول الشرائع والأحكام التي جاء بها احدهما إلى الأمة التي يتمثلها الثاني ثانيا:  أن تتحول المبادئ الدعوية التي قام بها الأنبياء السالفون غير عملية في الظروف الراهنة. ثالثا: أن يبعث نبي مساعدا لنبي آخر في عصره. رابعا:  الاحتياج إلى تتميم وتكملة الشرائع الدينية.

وجاء نوح عليه السلام استجابة للداعية الأولى ، والمسيح عيسى عليه السلام استجابة للداعية الثانية ، وهذا ما يشير إليه القرآن الكريم حكاية عن عيسى عليه السلام في قوله ﴿ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ ويمثل الفريق الثالث هارون عليه السلام الذى جاء مساعدا لموسى عليه السلام بينما نبينا محمد  صلى الله عليه وسلم  يمثل الفريق الرابع الذي جاء لتكملة هذه الشريعة السمحة . واختتمت هذه السلسلة النبوية بمحمد صلى الله عليه وسلم  والذين جاءوا بعد نبينا محمد  صلى الله عليه وسلم  بادعاءات النبوة والرسالة قد شهد العالم الإسلامي برميهم إلى وراء التاريخ وجاءت أسمائهم في جدول المتسللين المعتدين .

الفصل الخامس : مؤهلات الأنبياء

والأنبياء مأمورون بتحمل عبأ الدعوة الإسلامية ونقلها من الحضرة الإلهية إلى عالم الإنس ، وهذا يؤديهم إلى التعامل مع الملئكة الموجودين في عالم الغيب وان يحفظوا علاقة متواصلة معهم لكي يتمكنوا من أخذ الوحي الإلهى بواسطتهم ولتحقق هذا الأمر لابد أن يجتمع فيهم بعض الصفات والخصائل .

أولا :  الصدق  وهذه الصفة لابد أن يترسخ في شخصيتهم طبعيا لأن مجرد احتمال فقدان هذه الصفة يولد الشكوك والغموض في صحة أحكام وشرائع الدين الإسلامي، والإسلام تصميم إلهي وليس لأحد غيره أن يتدخل في صنع عقائده وشرائعه حتى للأنبياء المأمورين بدعوة اضوائه حيث أن الله يحذرهم بشدة من تداول أياديهم في شريعة الإسلام ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِين﴾ وليس هناك رأى ثان  في صدق الأنبياء حتى لأعدائهم المعاصرين ولو كان هناك شائبة تهمة في صدقهم لتمكن الأعداء أن يحمل عليهم الإفتراء في دعوتهم إلى الدين ، ولكن الله رباهم بحالة لا يتمكن أن يصدر منهم احتمال ضئيل من الكذب ، وهذا ما نجده مما جرى من الحوار بين هرقل ملك الروم وأبي سفيان قبله إسلامه ، وحينما سأل هرقل لأبي سفيان:  هل وجدت منه شيئا يحتمل الكذب فأنكره انكارا باتا .

والأنبياء كانوا متعارفين بين شعوبهم المعاصرين وكانت شخصيتهم معترفا بهم حتى بين صفوف الأعداء وانما جعلهم مخاصمين لفرط عداوتهم للحق ، وهذا ما ندركه من اعتراف أبى جهل بصدق النبي صلى الله عليه وسلم حينما سأله زعيم قريشي سرا وخفية عن دعوة النبي  صلى الله عليه وسلم .

ثانيا الأمانة: وهذه الصفة أيضا راسخة في طبيعتهم كما أن صحة الإسلام تعتمد على رسوخها فيهم ، وقد بلغ النبي  صلى الله عليه وسلم  في الأمانة إلى حد أن يضرب المثل ، وكانت قريش تلقبه بالأمين ، وكانت العرب يحفظون نفائسهم وأموالهم عند النبي  صلى الله عليه وسلم  كودائع ، وقد ادى النبي  صلى الله عليه وسلم  ما أوحي إليه بكل أمانة وصدق . وقول عائشة زوجة النبي  صلى الله عليه وسلم  خير دليل على أمانته  صلى الله عليه وسلم  حيث تقول : لو كان النبي  صلى الله عليه وسلم  يخفي شيئا من القرآن لكان ذلك آية ﴿ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ ولكن النبي صلى الله عليه وسلم  علمها الصحابة كغيرها من الآيات القرآنية.

ومما يدل على رحب صدره  صلى الله عليه وسلم في حفظ الأمانة تبليغه للناس الآيات التي تدل ظاهرها على لومه وعتابه . ومنها الآية التي تتعلق باسرى غزوة بدر ، والحقيقة أن الموقف اتخذه  صلى الله عليه وسلم كان بوحي من الله عز وجل حيث انه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى . ومنها الآيات التي تشير إلى إعراض وجهه عن عبد الله ابن أم مكتوم  رضي الله عنه  وما فعله  صلى الله عليه وسلم  كان مطابقا لما أوحي إليه حيث كان في ظروف لا يتمكن أن يستقبل ضيفه حق الإستقبال لشغله مع غيره ولم يصدر منه حقيقة الإعراض وتقليل الاهتمام باستقباله ، فالآيات النازلة بهذا الصدد كانت ثناء ومدحا على النبي  صلى الله عليه وسلم  وان كان ظاهرها يوهم خلافه . ولم يقم النبي  صلى الله عليه وسلم بإخفاء مثل هذه الآيات لأجل شدته ومبالغته في أداء الأمانة.

ثالثا- التبليغ : وهو من أهم أهداف بعثة الأنبياء لأنهم هم الوسطاء بين الله والعباد ، وإنما حققوا ذلك باستخدام الوسائل المناسبة بعصرهم ، فالمعجزات التي ظهرت على أيدى الأنبياء مثل الناقة وتحول العصا ثعبانا والمهارات الطبية في علاج الأكمه والأبرص وإحياء الموتى والتحدي بفصاحة القرآن وغيرها لعبت دورا بارزا في تحقيق نتائج ضخمة في مجال الدعوة الدينية ، و القرآن الكريم يشمل على عدة نماذج من الأساليب الدعوية التي انتهجها الأنبياء السالفون في دعوة امتهم ولم يستخدموا الأسلحة الهدامة والقوى الفتاكة في منهجهم الدعوي  واتهام انتشار الإسلام بحد السيف إنما هو وليد مؤامرات الاعداء ضده ، وما حمل النبي  صلى الله عليه وسلم  السيف إلا في مرحلة حاسمة لمقاومة المظالم البشعة التي وجهها الأعداء ضد أتباعه لأنه كان على وعي تام بأن الأسلحة ربما تستحق المماليك و تملكها ولكنها لا تجذب النفوس .

والإسلام يهتم في دعوته بروح التسامح ومبادئ السلام وقال تعالى ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ  دِينِ﴾ و﴿ لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ والاسلام يقابل القلوب والنفوس ويأمر دعاته بضرورة تمسك الأخلاق السامية في دعوتهم ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾

والأنبياء الذين قاموا بتبليغ الدعوة الدينية. واجهوا انواعا من الاضطهادات والمظالم الشنيعة حتى تلقى بعضهم مصرعهم في أداء هذه المهمة ، وقد مدحهم الله عز وجل في القرآن الكريم بجهودهم الجبارة ومغامرتهم المخلصة في سبيل الدعوة الدينية وحينما نتصفح تاريخ الإسلام يمكن لنا ادراك عديد من الأدلة على تحول اعدائه الالداء اعوانا له بسبب مبادئ الحكمة والموعظة الحسنة التي قام بها الأنبياء عليهم السلام .

رابعا -الفطانة : وهي جزء لا يتجزأ من صفات الأنبياء وأولوا الألباب وفي مقدمتهم الأنبياء هم الذين ادركوا حضور الإله في عجائب ملكوته ، ويستحيل ان يصدر منهم الغباوة والبلادة .

ومن الأمور التي تدل على فطانة النبي  صلى الله عليه وسلم حلوله العادل في وضع الحجر الأسود حينما خاصمت قبائل قريش فيمن يضعه وقت ترميم الكعبة . ولما بلغ الأمر في حدته واستعدوا للقتال قام النبي  صلى الله عليه وسلم  بحكمة بالغة تشتت لأجلها الغيوم السوداء وبزغت خلالها نجوم السلام والهدوء . واخذ النبي  صلى الله عليه وسلم  بإزار ووضع فيه الحجر بيده الشريفة ، ثم أمر قادة القبائل بأخذ اطرافه الأربعة ، ورفعوا معا ثم وضعه إلى مكانه . وكان هذا في عنفوان شبابه قبل بعثته .

وأيضا يدل على فطانته حواره الهادئ مع شاب من أصحابه يطلب منه الرخصة في الزنا فسأله رسول الله  صلى الله عليه وسلم  اما ترضى أن تتعرض امك واختك وزوجك للزنى بأيدى الآخرين ؟ فأجاب قائلا : كلا ! فيرده  صلى الله عليه وسلم  – : والمرأة التي تصحبها في الزنى هي أم أو أخت أوزوج لأخيك ، وكيف ترضى لأخيك ما لا ترضى لنفسك فسكت السائل متعظا ومقنعا بحكمته  صلى الله عليه وسلم .

خامسا : السلامة من العيوب خلقا وخلقا, والأنبياء سالمون من جميع الأمراض والعيوب المستنكرة . والروايات الواردة بخلافها من تعرض أيوب عليه السلام  للمرض الدائم ضعيفة . وأما الأمراض الخفيفة التي لا يكرهها الناس لا تخالف النبوة .

وهذه هي المؤهلات التي لابد أن تجتمع في الأنبياء وقد كرم الله الأنبياء بجمع هذه الصفات في حقهم لكي يكونوا متأهلين لحمل راية الإسلام ولدعوة عقائده بين المجتمع البشري

الفصل السادس : عصمة الأنبياء

والأنبياء بأسرهم معصومون عن المعاصي والأخطاء ومحفوظون عن الوقوع في الزلات طوال الحياة . ومهامهم الأساسية هي ارشاد البشر وإهدائهم إلى توحيد الله عز وجل وشريعته الغراء . وعصمتهم من الأخطاء قبل النبوة وبعدها ثابتة بالأدلة القاطعة والبراهين الساطعة . ولما قام أعداء الإسلام بمساعي مستمرة لإساءة صورته والنيل من الأمة الإسلامية بأنواع من الأساليب الرذيلة بما فيها إلصاق الأخطاء والذنوب بالأنبياء المصطفين اضطر علماء الإسلام لمواجهة هذا الخطر لأجل الحفاظ على قدسية الإسلام وحرمته، وبذلوا جهودهم لاقامة حجج قاطعة في إثبات العصمة للأنبياء عليهم السلام وردّ شبهاتهم اعتمادا على القرآن والسنة.

والعصمة- لغة:- مطلق الحفظ واصطلاحا:- حفظ الله للمكلف من الذنب مع استباحة وقوعه وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله “وعصمة الأنبياء على نبينا وعليهم الصلاة والسلام حفظهم من النقائص وتخصيصهم بالكمالات النفيسة والنصرة والثبات في الأمور وانزال السكينة. والفرق بينهم وبين غيرهم أن العصمة في حقهم بطريق الوجوب وفي حق غيرهم بطريق الجواز

وقال ابن حجر الهيتمي رحمه الله : ( والعصمة ) حفظ يستحيل عليه شرعا وقوع خلافه من سائر الذنوب صغيرها وكبيرها عمدها وسهولها قبل النبوة وبعدها في سائر حركاته وسكناته في باطنه وظاهره سره وعلانيته جده ومزحه رضاه وغضبه والخلاف في بعض ذلك لا يعول عليه .

1       الأدلة العقلية في إثبات العصمة

أولا : الإسلام دين بعيد عن أية خلل ونقصان في تصميمه ، والأنبياء حملة هذا الدين الإسلامي ودعاته إلى المجتمع البشري باصطفائهم الخاص من الله تعالى ، ولو فرض فيهم وقوع الأخطاء والزلل لأدى ذلك إلى احتمال وقوعها في الرسالة المدعوة من جانبهم، فهذا مرفوض رفضا باتا على ضوء تاريخ المجيد .

ثانيا : أن الهدف المنشود في بعثة الأنبياء هو تقوية الإيمان في قلوب البشر وتطهيرها من الأخلاق السيئة . فإذا كانت أخلاق الأنبياء متلوثة بالأدناس والرذائل لفقدوا الثقة في دعوتهم ، وبالتالى في بعثتهم واصطفائهم من قبل الله تعالى . وهذا بمثابة تسليم مفتاح الخزانة إلى يد السارق .

ثالثا : المعاصي والمحرمات مكروهة طبعيا حتى بعقول الشواذ المعتدلة . فكيف توجد من خلص عباد الله الذين هم اعقل العقلاء وافضل الفضلاء .

رابعا : أن اتباع العصاة والمذنبين مكروه عقليا ومرفوض منطقيا لأنهم منفرون ومنكرون عند البشر ، فوجب استلزام سلامتهم من المعصية قبل النبوة أيضا لأن من الواضح أن رجلا إذا عاش في الغي والضلال زمنا طويلا ثم فوجئ بتعيينه في منصب عال فلا يقبله الناس بل يطردونه ولا يطيعه .

خامسا : ان الأنبياء إذا كانوا مخطئين فيؤدي ذلك إلى إذن الله تعالى لعباده بالخطأ والعصيان لأنه تعالى أمرنا باتباعهم في قوله ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ وهذا محال في حقه تعالى البتة وقد زكى الله الأنبياء في كلامه القديم وقال ﴿ أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾

وهناك عدة أدلة عقلية تثبت عصمة الأنبياء من الأخطاء والزلات ، ويقول الإمام الرازي في تفسير قوله تعالى ﴿ منْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ﴾ من أقوى الدلائل على أنه معصوم في جميع الأوامر والنواهي وفي كل ما يبلغه عن الله لأنه لو أخطأ في شيء منها لم تكن طاعته طاعة الله وأيضا وجب أن يكون معصوما في جميع أفعاله لأنه تعالى أمر بمتابعته في قوله ( فاتبعوه ) والمتابعة عبارة عن الإتيان بمثل فعل الغير لأجل أنه فعل ذلك الغير فكان الآتى بمثل ذلك الفعل مطيعا لله في قوله ( فاتبعوه ) فثبت أن الإنقياذ له في جميع أقواله وفي جميع أفعاله إلا ما خصه الدليل طاعة لله وانقياد لحكم الله .

1        العصمة في الآيات القرآنية :

والآيات القرآنية التي تدل على عصمتهم من المعصية والأخطاء كثيرة جدا ، ومنها قوله تعالى ﴿ أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ﴾ وهذه الآية شهادة من الله تعالى للأنبياء على هدايتهم واستقامتهم حيث إن وجوب اقتدائهم يدل على أنهم معصومون من الزلات ولذلك أمر الله تعالى خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم ان يتبع الرسل الماضين ، فان كانوا عاصين لما أمر الله ان يقتديهم في كلامه المجيد .

ومنها قوله تعالى ﴿ وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ وههنا مدحهم الله تبارك وتعالى بالاصطفاء وإن كان الأنبياء مخطئين لما وجدنا فائدة في اصطفائهم واختصاصهم من الله على سائر الخلق وهذا بمثابة فرض العجز على الله .

ومنها قوله تعالى ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ والخلق العظيم شامل لجميع المحاسن من الاعتقادات الصحيحة والأفعال الجميلة والابتعاد عن الخصال الخبيثة ، وتعبيره تعالى بـ ” على خلق عظيم ” يدل على أنه صلى الله عليه وسلم فوق جميع الأخلاق الجميلة الحميدة ، والأخلاق كلها تحته صلى الله عليه وسلم ، فهل من المعقول أن يمدح الله عز وجل رجلا عاصيا بمثل هذا الثناء وعلى هذا الأسلوب الشيق ؟

ومنها قوله تعالى ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمنَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ، وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ ، وَإِسْمَعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلاًّ فضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ ، وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنهُمْ وَهَدَيْنهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ، ذَلِكَ هُدَى اللّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ ، وتدل هذه الآيات على طهارة الأنبياء ونقائهم من الذنوب والأخطاء لأن وقوع ذلك منه ينافي كونهم مطهرين عن المعاصي حيث ان الله وصفهم بهذه الصفات في الآيات السابقة .

ومنها قوله تعالى ﴿ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ، إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ﴾ والمعصية وليدة إغواء الشياطين ، والمخلصون المتقون على أمان من وسوسة الشيطان وإغوائه ، ولا شك أن الأنبياء هم أفضل الخلائق وفي مقدمة المخلصين قال تعالى عن يوسف عليه السلام ﴿ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ﴾ وعن موسى عليه السلام ﴿ إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا ﴾ وعن ابراهيم واسحاق ويعقوب عليهم السلام ﴿ إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم ﴾

وقال الإمام الرازي في تفسير آية ﴿ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ فاستثنى من جملة من يغويهم المخلصين وهم الأنبياء عليهم السلام قال تعالى في صفة إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم السلام ﴿ إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ ﴾ وقال في يوسف عليه السلام ﴿ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ﴾ . وإذا ثبت وجوب العصمة في حق البعض ثبت وجوبها في حق الكل لأنه لا قائل بالفرق .

ومنها قوله تعالى لإبليس لعنه الله ﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾ وهذا نص صريح على براءة الأنبياء من سلطنة إبليس اللعين كما في إضافته تعالى إياهم إلى ذاته دلالة قوية على كماليتهم في العبودية كما في قوله تعالى ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ ﴾ وقوله ﴿ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ ﴾ وقوله ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ ﴾ فصفة العبودية التي عرف الله بها انبيائه شهادة لهم بالكمال وسلامتهم من وساوس الشيطان فيستحيل منهم وقوع الذنب والمعصية.

ومنها قوله تعالى ﴿ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ﴾ وفي هذه الآية الكريمة ربط الله محبته باتباع النبي صلى الله عليه وسلم ربطا متينا ويجعل اقتداء نبيه صلى الله عليه وسلم جزءا أساسيا في تحقيق هدف هام في الحياة الإنسانية ، ولو كانت الأخطاء والمعاصي متداولة على أيدي الأنبياء فكيف يتصور من الله إيجاب الاقتداء بنبيه صلى الله عليه وسلم .

والآيات القرآنية بهذا الصدد عديدة فلنكتف بهذا القدر وبالتالي نسرد بعضا من الأحاديث النبوية لكشف الأباطيل الزائفة التي يشككها الخصم .

2        الأحاديث النبوية

روي أن خزيمة بن ثابت رضي الله عنه شهد لرسول الله صلى الله عليه وسلم على وفق دعواه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم – كيف شهدت لي فقال يا رسول الله اني أصدقك على الوحي النازل عليك من فوق سبع سماوات أفلا أصدقك في هذا القدر ؟ فصدقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وسماه بذي الشهادتين ولو كانت المعصية محتملة في حق الأنبياء لما جازت الشهادة في حقهم .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم “انى رسول الله ولست اعصيه ويكرر صاحبه أبو بكر الصديق نفس العبارة توطيدا بهذا المعنى” انه رسول الله وليس يعصيه .

3        العصمة في ضوء آراء العلماء

هناك شبه إجماع في موقف العلماء تجاه عصمة الأنبياء حيث انهم مجمعون على ثبوتها في ضوء القرآن والسنة .

ويقول القاضي عياض في الشفاء : واعلم ان الأمة مجمعة على عصمة النبي صلى الله عليه وسلم من الشيطان وكفايته منه لا في جسمه بأنواع الأذى ولا على خاطره بالوسواس وقال في موضع آخر: والصحيح ان شاء الله تنزيههم من كل عيب وعصمتهم من كل ما يوجب الريب فكيف والمسألة تصورها كالممتنع فان المعاصي والنواهي انما تكون بعد تقرر الشرع .

ويقول تاج الدين السبكى في جمع الجوامع : الأنبياء عليهم السلام معصومون لا يصدر عنهم ذنب ولو صغيرة .

وقال العلامة سعد الدين التفتازاني في شرح العقائد : وكلهم كانوا مخبرين مبلغين عن الله ، وفي هذه إشارة إلى أن الأنبياء معصومون عن الكذب خصوصا فيما يتعلق بأمر الشرائع وتبليغ الأحكام وارشاد الأمة .

وقال الإمام الباجوري رحمه الله في شرحه على جوهرة التوحيد للقاضي : ( قوله الأمانة ) وهي حفظ خواطرهم وبواطنهم من التلبس بمنهي عنه ولو نهي كراهة او خلاف الأولى فهم محفوظون ظاهرا من الزنى وشرب الخمر والكذب وغير ذلك من منهيات الظاهر ومحفوظون باطنا من الحسد والكبر والرياء وغير ذلك من منهيات الباطن والمراد منهي عنه ولو صورة فيشمل ما قبل النبوة ولوفي حال الصغر ولا يقع منهم مكروه ولا خلاف الأولى بل ولا مباح على وجه كونه مكروها أو خلافا مندوبا أو مباحا .

ولم يكتف العلماء باثبات العصمة بالدلائل الساطعة بل وقام بعضهم بموقف جاد في الدفاع والرد عن الشبهات التي أوردها الخصم. يقول ابن حجر الهيتمي رحمه الله : لعصمته كسائر الأنبياء عن وصمة الذنب مطلقا خلافا لما وقع في كثير من التفاسير مما كان الواجب تركه لعدم صحته بل لوصح وجب تأويله لثبوت عصمتهم ووجوب اعتقاد نزاهتهم عن تلك السفاسف التي لا يقع من أقل صالحى هذه الأمة فكيف بمن اصطفاهم الله لنبوته واهلهم لرسالته .

وهناك عديد من العلماء الأجلاء الذين قاموا بابراز آرائهم القيمة في هذه القضية مثل الإمام الرازي والإمام عبد الوهاب الشعراني والإمام الباجوري وإبراهيم اللقاني رحمهم الله وغيرهم من الأئمة الذين رسخت اقدامهم في العلم .

2       شبهات حول عصمة الأنبياء والرد عليها

هناك بعض الآيات القرآنية يوهم ظاهرها احتمال صدور الأخطاء من الأنبياء عليهم السلام ولكن حينما نتعمق في معانيها نصل إلى مرادها الحقيقى فلنذكر بعض الأمثلة اطمئنانا للنفوس السليمة ومحوا للشبهات من النفوس السقيمة .

1        في حق آدم عليه السلام .

والشبهة التي يرددها الأعداء في عصمة آدم عليه السلام  ترجع إلى قوله تعالى ﴿ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ، ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى ﴾ ، وحينما نقرأ هذه الآية الكريمة مع آية سابقة وهي قوله تعالى ﴿ وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ﴾ تزول الشبهة ويحكم العقل بأن ما وقع من آدم كان نسيانا ، والناسي لا يعاتب ولا يلام على فعله – وقد أكد ذلك في قوله ﴿ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ﴾ وأيضا كان ذلك قبل نبوته بدليل قوله تعالى ﴿ ثُمَّ اجْتَبَاهُ ﴾ وأما تسميته بالعصيان فلمكانة آدم عند الله تعالى لأنه خلقه وأسجد له ملائكته وأسكنه فسيح جناته وهو من باب ” حسنات الأبرار سيئات المقربين ” .

2        في حق إبراهيم عليه السلام .

والشبهة في حق إبراهيم عليه السلام أيضا يدحضها التعمق في سياق الآيات الكريمة الواردة فيها فقوله ( هَـذَا رَبِّي ) لكل من الكواكب والشمس والقمر إنما كان لأجل مناظرة علمية نفيسة بينه وبين قومه الصابئة يفترض فيها إبراهيم عليه السلام الإحتمالات الفاسدة لاظهار بطلانها وللتدليل على وحدانية الله عز وجل ، وإنما المانع الإعتقاد بربوبية الكواكب والأجرام السماوية مما سوى الله ، فأنى يوجد هذا الاعتقاد من خليل قال الله في حقه ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾

3        في حق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

قال تعالى : ﴿ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ و ﴿ عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ﴾ و ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى ، أَن جَاءهُ الْأَعْمَى ، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ و ﴿ وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ﴾

وهذه بعض الآيات القرآنية التي يتشبث بها المشككون لإدحاض عصمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لقلة بضاعتهم في الفهم عن قدره العَالِى ومقامه الرفيع ، والذي يفهم معاني الآيات القرآنية بجوانبها المختلفة لا يقع في مثل هذه الترهات الزائفة ، وبهذا الصدد ألفت الإنتباه إلى بعض النقطات الهامة التي تساعد في فهم الآيات السابقة فهما لائقا بمقام المصطفى  صلى الله عليه وسلم .

الخطاب الموجه من الله إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في القرآن ربما يكون المقصود منه خطاب الأمة لاسيما فيما يتعلق بالإنذار والوعيد وهذا الأسلوب معروف في اللغة العربية .

وإن ترك الأولى لا يعتبر معصية ولا يستحق عتابا فإنما جاء العتاب على ترك الأولى في حق المصطفى صلى الله عليه وسلم فلعظمته البالغة عند حبيبه . فيعد ذلك من باب ” حسنات الأبرار سيئات المقربين ” .

والمواقف التي لم ينزل فيها سابق وحي فللنبي صلى الله عليه وسلم الإجتهاد فيها . ومن المعلوم أن الخطأ في الإجتهاد – على فرض وقوعه – لا يعد معصية بل يثاب صاحبه على ما بذله من الجهود طلبا للحق والصواب .

وهذه دراسة موجزة عن بعض الشبهات الواردة في عصمة الأنبياء عليهم السلام وتأليفي ” عصمة الأنبياء ” وترجمته في اللغة المليبارية تشمل مزيدا من الدراسات العميقة في الشبهات الواردة في حق الأنبياء فمن أراد التفصيل فليرجع إليه .

طبعا أن الأنبياء بأسرهم معصومون قبل وبعد النبوة سهوا وعمدا و بشكل كامل . ولم يلتصق بهم أي لون من الخطيئة . وكانت حياتهم اليومية نموذجا حيا لنزاهتهم من الرذائل والأخطاء . وحينما نفرض في حقهم نقطة من الخطأ ليكون ذلك سلاحا قويا للأعداء يقصف به مبادئ الإسلام وقداسته.

إن محاولة النصارى في اطلاق السهام الحادة من الإنتقادات والإتهامات إلى الأنبياء المعصومين المخلصين تمت في التاريخ أكثر من مرة . وهناك أمر لا يستهان به وذلك أن القاديانية أضافوا أيضا إلى المسيح  عليه السلام عديدا من الاتهامات والانتقادات الزائفة الداحضة .

2 تعليقان »

  1. محبة الخير said

    ممكن كتاب لتربية الأسرية اليوووووووووووووووووووم
    بليييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييز

  2. mem said

    من معجزات سيدنا عيسي علية السلام ابراء الاكمه والابرص فما معني الاكمه والابرص

    ارجججججججججججججججججججججججججججججججججججججججججججو الجاب علي هذة السوال في اقراب وقت وشكرا مقدمن

RSS feed for comments on this post · TrackBack URI

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: